ظل الغرفه المجهوله":
فينسنت بقي واقفًا في منتصف الغرفة المظلمة، يحاول أن يحدد مصدر الأصوات الخفية التي تملأ المكان. كل خفقة قلبه، كل نفس يأخذه، كان يبدو وكأنه يخلق صدى يرد عليه من الجدران المشققة، وكأن الطابق نفسه يضحك بصمت على رهبة البشر. أقدامه لم تتحرك، لكنه شعر بأن الظلال حوله تتحرك ببطء، تتغير أشكالها كلما ركز على نقطة معينة، وكأنها تحاول إرباكه وإضعاف تركيزه.
تقدم بحذر نحو زاوية الغرفة، حيث وجد بابًا صغيرًا مغطى بالغبار، كان شبه مغلق. دفعه ببطء، وكل حركة تصدر صوتًا يدوّي في المكان. خلفه، الأرضية القديمة أصدرت صريرًا مفاجئًا، جعله يتوقف فجأة، كأن صوته يلفت الانتباه إليه. الضوء الخافت من النافذة لم يكن كافيًا لرؤية تفاصيل الغرفة بالكامل، لكنه كان يكفي ليبرز الزوايا المظلمة التي تشبه أفواهًا مفتوحة تنتظره.
على الطاولة المائلة في منتصف الغرفة، كانت توجد أشياء غريبة، أدوات قديمة مغطاة بالصدأ، زجاجات صغيرة بها سوائل غير معروفة، أوراق ممزقة تحمل رموزًا غير مفهومة، ورسومات مخيفة تشبه خريطة لهيكل غريب داخل القصر. مد يده لتلمس أحد الزجاجات، وبرودة السائل شعرت بها أصابعه كما لو أن شيئًا ما يتشبث بها.
عند الجدار المقابل، لاحظ فينسنت لوحة كبيرة مائلة على الأرض، رسمها فنان قديم منذ عقود. وجوه الأشخاص المرسومة فيها كانت وكأنها تتحرك ببطء في ضوء القمر، يحدقون فيه بعينين بلا حياة، لكنه شعر وكأنهم يحاولون توجيه رسالة صامتة له. كل شعور بالخوف كان يزداد، لكنه كان مصحوبًا بإحساس غريب بالفضول، رغبة لا يمكن تجاهلها لاكتشاف الأسرار.
ثم لمح تحت الطاولة شيئًا يتحرك، سريع وخافت، لم يستطع تحديد ما هو. قلبه خفق بشدة، جسده كله مشدود، لكنه لم يبتعد. تحرك نحو المكان، وكل خطوة تزيد من توتره. ما لم يكن يعرفه هو أن الطابق نفسه يراقبه، يحاول استكشاف حدوده، اختبار صبره، وملاحظة ردود أفعاله تجاه كل شيء حوله.
الهواء أصبح أثقل، الرطوبة تلتصق بجلده، وكل نفس يبدو وكأنه ثقل جديد على صدره. أصوات خفية، خطوات بعيدة، خرير الماء من أنبوب مكسور، كل شيء كان يضيف طبقة من الرعب النفسي. ظل واقفًا، يراقب الظلال، يلاحظ تحركات صغيرة في الزوايا، وكيف أن الضوء والظلام يتغيران بشكل غريب كل لحظة
على الجدار المقابل، اكتشف درجًا صغيرًا يقود إلى غرفة أخرى أكثر عمقًا، الهواء فيها أشد برودة، الظلال أكثر كثافة، وكل شيء يبدو كما لو أنه يختبر عزيمته. كل خطوة على الدرج كانت مصحوبة بصوت خشب يئن، وكأن المكان نفسه يحذر من الاقتراب أكثر.
حين وصل إلى نهاية الدرج، دخل غرفة أكبر قليلاً، مظلمة ورطبة، مع صوت خرير مياه خافتة ينساب من إحدى الزوايا. الأرضية مغطاة بالغبار والأوراق القديمة، ويمتزج الرائحة بالرطوبة والصدأ، يجعل المكان يبدو حيًا أكثر من أي وقت مضى. كل حركة، كل همسة من الرياح، كل ظل يرمقه من بعيد، كان يزيد شعوره بالقلق والتوتر، لكنه لم يتحرك للعودة.
وقف في منتصف الغرفة، عيناه تتلمسان الظلال بعناية، كل شيء حوله يبدو وكأنه يتحدث بلغة صامتة، يحذر، يختبر، يراقب. كل شعور بالرهبة كان يقابله شعور بالفضول، وكل خطوة خاطئة يمكن أن تكلفه الكثير، لكنه شعر بقوة داخلية تدفعه للاستمرار، لاكتشاف ما يحاول الطابق الملعون إخفاءه منذ عقود.
ثم لمح في زاوية الغرفة بوابة صغيرة شبه مخفية، مزخرفة برموز قديمة، يبدو أنها تؤدي إلى قسم آخر من الطابق الثالث. تحرك نحوها ببطء، كل خطوة تتردد في أرجاء الغرفة كصدى من الماضي، وكل ظل يمر أمامه كأنه يحذر من الاقتراب. وصل إلى البوابة، مد يده ببطء، الحديد البارد يلمس أصابعه، شعور بالقشعريرة يعم جسده كله.
فتح البوابة، ودخل ممرًا ضيقًا، الظلام يلتهم كل شيء، حتى ضوء القمر لا يستطيع الوصول إلى الداخل. كل خطوة على الأرضية القديمة كانت اختبارًا لصبره، لقوة تحمله، لقدرته على مواجهة المجهول. الرياح الباردة تمر من خلفه، أصوات خفية تتردد من بعيد، وكأن المكان نفسه يختبر عزيمته، ينتظر لحظة ضعف واحدة ليكشف عن سره المظلم.
وقف في منتصف الممر، شعر بالرهبة، بالإثارة، بالإرهاق النفسي والجسدي معًا. كل شيء حوله، من الظلال إلى الأصوات، من الهواء إلى الأرضية المتهالكة، يهمس بصمت: “هنا ستواجه ما لم تتوقعه… هنا ستعرف الحقيقة… هنا… سيختبرك الطابق الملعون…
فينسنت شعر بقوة غريبة تتسلل إليه، شعور بالإصرار، شعور بالفضول، شعور بأنه مهما كان الظلام كثيفًا، فهو لن يتراجع. كل خطوة قادمة ستكون أكثر صعوبة، أكثر رهبة، لكنها ستقوده لاكتشاف أسرار الطابق الملعون، مهما كان الثمن.